تقرير بحث البروجردي للسيد الخميني
80
لمحات الأصول
الامتثال بأمر غير اختياريّ ، وهذا واضحٌ ( 17 ) .
--> 17 - والحقّ في الجواب عن كلام المحقّق الخراساني ، يظهر بتوضيح أمرين : الأوّل : أنّ متعلّقات الأوامر ليست إلاّ المهيات المعقولة ، لا أقول : إنّ المأمور به إنّما هي الصلاة في الذهن ، حتّى يصير امتثاله محالاً ، بل طبيعة الصلاة بما أنّها مهية كلّية قابلة للانطباق على كثيرين ، والوجود الذهني آلة تصوّرها ، فالبعث إليها في الحقيقة أمر بإيجادها وتحصيلها ، فهي بما أنّها مفهوم ، مأمور به ومعروض للوجوب ومتعلّق للحكم على تسامح في إطلاق العرض عليه ، والوجود الخارجي مصداق للمأمور به لا نفس الواجب ، ولذلك يكون الخارج ظرف السقوط دون الثبوت . وعليه : فالموضوع في المقام ليس إلاّ الصلاة المتصوّرة مع قصد أمرها ، والإنشاء والأمر إنشاء على ذلك المقيّد . الثاني : أنّ الأمر ليس إلاّ المحرّك والباعث الإيقاعي ، لا المحرّك الحقيقي والباعث التكويني ، ولهذا ليس شأنه إلاّ تعيين موضوع الطاعة ، من غير أن يكون له تأثير في بعث المكلّف تكويناً ، وإلاّ لوجب اتّفاق الأفراد في الإطاعة ، بل المحرّك والداعي حقيقة ليست إلاّ بعض المبادئ الموجودة في نفس المكلّف ، كمعرفته لمقام ربّه ، ودرك عظمته وجلاله وكبريائه ، أو الخوف من سلاسله وناره ، أو الطمع في رضوانه وجنّته . فحينئذ نقول : إن أراد القائل - من كون الأمر محرّكاً إلى محركية نفسه - أنّ الأمر الإنشائي المتعلّق بالعنوان المقيّد موجب لذلك المحال ، فقد عرفت أنّ الإنشاء والإيقاع لا يحتاج إلى مؤنة أزيد من تصوّر الطرفين ، مع أنّه قد أقرّ بصحة ذلك الإيقاع . وإن أراد : أنّ الأمر المحرّك للمكلّف تكويناً محرّك إلى محركيّة نفسه ، فهو باطل بحكم الأمر الثاني ، وأنّ نسبة التحريك إليه بضرب من التشبيه ؛ إذ العبد إذا أدرك استحقاق المولى للإطاعة أو خاف من ناره وغضبه ورأى أنّ الإطاعة لا يحقّق إلاّ بالإتيان بالصلاة المقيّدة ، فلا محالة يقوم بامتثاله كيف ما أمر . وأمّا قوله : إنّ الصلاة غير متعلّقة بالأمر ، حتّى يأتي بها بقصد أمرها ؛ لأنّ المفروض أنّ الأمر لم يتعلّق إلاّ بالمقيّد بقصد الأمر . فالجواب عنه يتوقّف على رفع الحجاب عن كيفية دعوة الأمر في المركّبات والمقيّدات إلى أجزائها وقيودها . ومجمل القول فيه : أنّ الأوامر المتعلّقة بالمركّبات والمقيّدات إنّما تتعلّق بهما بما أنّهما موضوعات وحدانية ولو اعتباراً ، ولها أمر واحد لا ينحلّ إلى أوامر متعدّدة ، ولا فرق بينهما وبين البسائط في ناحية الأمر ، فهو بعث وحداني تعلّق بالبسيط أو المركّب والمقيّد ، فالمطابق للبرهان والوجدان هو : أنّ البعث في هذه الأقسام الثلاثة على وزان واحد ، لا ينحلّ الأمر إلى أوامر ، ولا الإرادة إلى إرادات وإن كانت تفترق في انحلال الموضوع في الأوّلين دون الثالث ، ولكنّ دعوة الأمر إلى إيجاد القيود والأجزاء بعين الدعوة إلى إيجاد المركّب والمقيّد ، وإيجاد القيد أو الجزء امتثال للأمر المتعلّق بالمقيّد والمركّب ، لا امتثال لأمرهما الضمني أو الانحلالي ، كما اشتهر بين القوم ؛ لأنّ العقل حاكم على أنّ كيفية امتثال الأمر المتعلّق بالمركّب والمقيّد ، إنّما هو بالإتيان بالأجزاء وإيجاد القيود ، فحينئذ فالجزء أو القيد ليس غير مدعوّ إليهما رأساً ، ولا مدعوّ إليهما بدعوة خاصّة منحلّة ، بل مدعوّ إليهما بعين دعوته إلى المركّب أو المقيّد ؛ إذ الأمر واحد والمتعلّق فارد . إذا عرفت ذلك ، تقدر على حلّ العويصة ؛ إذ المأمور به وإن كان هو المقيّد بقصد الأمر - وهو قد تعلّق بنعت التقيّد - إلاّ أنّ نفس الصلاة المأتي بها تكون مدعوّة بنفس دعوة الأمر المتعلّق بالمقيّد ، لا بأمرها الخاصّ ، وهذا يكفي في مقام الإطاعة . ( تهذيب الاُصول 1 : 116 - 117 ) .